04/04: حكايةُ آلِ تَشخنوق
مجموعة: الأدب والشعر الشركسي
أضيفت بواسطة: Manager
حكايةُ آلِ تَشخنوق
بقلم : نرين طلعت حاج محمود
حين يبدأ الظلام بالتفكك مرخيا رويدا رويدا قبضته الحالكة عن عيوننا يتضح الضباب الراقد على وجه المستنقعات وكلما ازداد تسلل النور عبر الظلمات اتضحت كثافة الضباب المتثاقل في استيقاظه حتى إذا انبلج الفجر و حرك هذا العالم الساكن النائم و دفع الضباب للصعود و التلاشي ظهرت الضفاف المقابلة للمستنقعات حيث تصطف أشجارالصفصاف وبضع اذرع من مساحة خضراء للحشائش ثم مساحات صفراء لا تنتهي.
قُبيل الفجر تتبادل الطيور إشارات صوتية لبدء ترتيلها وصلواتها وإنشادها الصباحي فتوقظ القرية الممتدة من بيوت الِلبن وسقوف الخشب.
كانت شبه طريق تلك التي تصنعها العربات بصريرها و هي قادمة من السلمية و التي تصل أول ما تصل لتلة الموت الرهيبة التي تحجب القرية تماما عن القادمين من بعيد و ترتفع كقلعة لأخبار الذين مروا بهذا المكان و تركوا كلماتهم و أصواتهم و قصصهم ثم صعدوا للأعلى . بعد التلة تمتد مساحة الأحياء مبتدئة بطاحونة (الجاويش) التي تبارك الحنطة و الطحين للناس طوال النهار و في الليل تضج بزعيق البوم المنذر بموت آت مع المساء.
تخلو من كل سكن مساحة بقدر بيدر كبير تفصل بين طاحونة (الجاويش) و دار واسعة مسورة بجدار طيني عالٍ و ثخين و أشجار تفوقه ارتفاعا و عليا .
تلك الدار هي دارُ جدِّ أمك الإمام محمد , تقيم معه في تلك الدار زوجته (ناشخوه) الصافية الروح الطيبة الكلمات و ابناه موسى و هو جدك و أخاه هارون , أما المرأة الصغيرة الخجولة و المدللة عند الجميع فهي (نسه) زوج موسى, و أقامت معهم ردحا طويلا في هذا البيت العجوز (ننج) و هي جدة لكل الأحياء في هذا المنزل و كل أهل القرية ينادونها أيضا (ننج) و الغرفة الثالثة بين الغرف المرتفعة على المسطبة العالية هي غرفتها المغلقة على الأسرار و الحكايا و قد بقيت مقفلة بعد موتها وقتا طويلا .
بين الخيول الرابضة في الإسطبل سيشغل ناظريك ذاك الحصان الأحمر الودود المبتسم ذو الصدر العريض و الكفل العالي. انه صديق هارون , صديق أسفاره و مغامراته , صديق حكاياه و قصصه, صديق دروبه الطويلة الممتدة بين القرى الشركسية المتباعدة المنقطعة.
هؤلاء الذين عرفت أسماءهم لم يعرفوا اسمك يوما , علمت بوجودهم في زمن ما و لم يعلموا بوجودك , سمعت أخبارهم و لن يسمعوا أخبارك, هؤلاء هم آباؤك و أمهاتك الأولون , في روحك شيئا من أرواحهم و ليس في أرواحهم شيئا من روحك, ترَينهم و لا يروك , تَرِثينهم و لا يرثوك , لم تعطهم يوما شيئا و قد أعطوك كل تاريخهم و ماضيهم و هيئوا لك فرصة الحياة.
إذا كبرت غدا أو بعد غد و عرفت متعة السير خارج الطرق المألوفة و اختبرت روعة الثبات وسط الأعاصير و العواصف و جمال التعري في وجه المطر و أدركت بُعدَ الكلمة و عمقَ الكلمة و اتساعها فعساك تذكرينهم يا صغيرتي في أيامك القادمةِ و لو بكلمات .
إنهم آل تشخنوق .
بقلم : نرين طلعت حاج محمود
حين يبدأ الظلام بالتفكك مرخيا رويدا رويدا قبضته الحالكة عن عيوننا يتضح الضباب الراقد على وجه المستنقعات وكلما ازداد تسلل النور عبر الظلمات اتضحت كثافة الضباب المتثاقل في استيقاظه حتى إذا انبلج الفجر و حرك هذا العالم الساكن النائم و دفع الضباب للصعود و التلاشي ظهرت الضفاف المقابلة للمستنقعات حيث تصطف أشجارالصفصاف وبضع اذرع من مساحة خضراء للحشائش ثم مساحات صفراء لا تنتهي.
قُبيل الفجر تتبادل الطيور إشارات صوتية لبدء ترتيلها وصلواتها وإنشادها الصباحي فتوقظ القرية الممتدة من بيوت الِلبن وسقوف الخشب.
كانت شبه طريق تلك التي تصنعها العربات بصريرها و هي قادمة من السلمية و التي تصل أول ما تصل لتلة الموت الرهيبة التي تحجب القرية تماما عن القادمين من بعيد و ترتفع كقلعة لأخبار الذين مروا بهذا المكان و تركوا كلماتهم و أصواتهم و قصصهم ثم صعدوا للأعلى . بعد التلة تمتد مساحة الأحياء مبتدئة بطاحونة (الجاويش) التي تبارك الحنطة و الطحين للناس طوال النهار و في الليل تضج بزعيق البوم المنذر بموت آت مع المساء.
تخلو من كل سكن مساحة بقدر بيدر كبير تفصل بين طاحونة (الجاويش) و دار واسعة مسورة بجدار طيني عالٍ و ثخين و أشجار تفوقه ارتفاعا و عليا .
تلك الدار هي دارُ جدِّ أمك الإمام محمد , تقيم معه في تلك الدار زوجته (ناشخوه) الصافية الروح الطيبة الكلمات و ابناه موسى و هو جدك و أخاه هارون , أما المرأة الصغيرة الخجولة و المدللة عند الجميع فهي (نسه) زوج موسى, و أقامت معهم ردحا طويلا في هذا البيت العجوز (ننج) و هي جدة لكل الأحياء في هذا المنزل و كل أهل القرية ينادونها أيضا (ننج) و الغرفة الثالثة بين الغرف المرتفعة على المسطبة العالية هي غرفتها المغلقة على الأسرار و الحكايا و قد بقيت مقفلة بعد موتها وقتا طويلا .
بين الخيول الرابضة في الإسطبل سيشغل ناظريك ذاك الحصان الأحمر الودود المبتسم ذو الصدر العريض و الكفل العالي. انه صديق هارون , صديق أسفاره و مغامراته , صديق حكاياه و قصصه, صديق دروبه الطويلة الممتدة بين القرى الشركسية المتباعدة المنقطعة.
هؤلاء الذين عرفت أسماءهم لم يعرفوا اسمك يوما , علمت بوجودهم في زمن ما و لم يعلموا بوجودك , سمعت أخبارهم و لن يسمعوا أخبارك, هؤلاء هم آباؤك و أمهاتك الأولون , في روحك شيئا من أرواحهم و ليس في أرواحهم شيئا من روحك, ترَينهم و لا يروك , تَرِثينهم و لا يرثوك , لم تعطهم يوما شيئا و قد أعطوك كل تاريخهم و ماضيهم و هيئوا لك فرصة الحياة.
إذا كبرت غدا أو بعد غد و عرفت متعة السير خارج الطرق المألوفة و اختبرت روعة الثبات وسط الأعاصير و العواصف و جمال التعري في وجه المطر و أدركت بُعدَ الكلمة و عمقَ الكلمة و اتساعها فعساك تذكرينهم يا صغيرتي في أيامك القادمةِ و لو بكلمات .
إنهم آل تشخنوق .
03/04: العجوز و الياسمين
مجموعة: الأدب والشعر الشركسي
أضيفت بواسطة: Manager
العجوز والياسمين
بقلم / نرين طلعت حاج محمود
أذكُرُ أنها كانت تقول : هاجروا و تركوا السنونو وحيدا" حتى أقبل الشتاء.
و أنا عاقبت ذاكرتي كثيرا لأنها رمت عنها مصيره الحزين.
و أنا أذكرها كأنها رؤيا تجلَّت لِوجدان ناسك صوفيٍّ رماه الناس بالجنون , و أنا أذكرها كأنها حُلمٌ في صلاة راهبٍ بوذيٍّ منسيٍّ على طرف الطريق, و أنا أذكرها صوراً ضبابية و أخالها بلباس السنونو الحزين.
أمشي في طريقي و أنساها فتتكشف لي كليلةِ القدرِ، تمشي كشبح فارع يمتد حتى السماء، تداعب شجيرتها المدللة، تمد يديها بين أغصانها ، تتناول من أوراقها ثم تنهدُّ فوق التراب تعبث به, تبعثره, تجّمعه, و تقولُ إلى التراب نعود.
و أنا عاقبت ذاكرتي كثيرا لأنها رمت عنها مصيره الحزين.
و أنا أذكرها كأنها رؤيا تجلَّت لِوجدان ناسك صوفيٍّ رماه الناس بالجنون , و أنا أذكرها كأنها حُلمٌ في صلاة راهبٍ بوذيٍّ منسيٍّ على طرف الطريق, و أنا أذكرها صوراً ضبابية و أخالها بلباس السنونو الحزين.
أمشي في طريقي و أنساها فتتكشف لي كليلةِ القدرِ، تمشي كشبح فارع يمتد حتى السماء، تداعب شجيرتها المدللة، تمد يديها بين أغصانها ، تتناول من أوراقها ثم تنهدُّ فوق التراب تعبث به, تبعثره, تجّمعه, و تقولُ إلى التراب نعود.
